فقدة الساحة الفنية المغربية احد اهرامها عبد الهادي بلخياط الذي كان أكثر من صوت جميل؛ كان حالة فنية وإنسانية نادرة، تشكّلت على مهل، وراكمت حضورها بهدوء، حتى صارت جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الموسيقية المغربية. بصوته العميق وأدائه المتزن، نسج الراحل علاقة خاصة مع الجمهور، قوامها الصدق والسمو والالتزام بجمالية الكلمة واللحن.
امتد مساره الفني لعقود، تميّز خلالها باختيارات دقيقة جعلت من أعماله علامات راسخة في الخزانة الغنائية الوطنية. فقد منح القصيدة العربية أفقًا غنائيًا رحبًا، من خلال أعمال مثل “القمر الأحمر” و“الشاطئ”، حيث تماهى صوته مع النص، ومنح الكلمة بعدها الروحي والوجداني، خاصة في تعاونه مع أسماء وازنة مثل الملحن عبد السلام عامر والشاعر عبد الرفيع الجواهري.
وفي الآن ذاته، لم يكن بلخياط بعيدًا عن نبض الجمهور العريض، إذ قدّم أغانٍ بالدارجة المغربية، مشبعة بإيقاعات محلية، استطاعت أن تعبر الأجيال وتحتفظ ببريقها، من قبيل “بنت الناس”، “يا داك الإنسان”، “قطار الحياة” و“كيف يدير آسيدي”. أعمال شكّلت جسورًا بين الفن الراقي والوجدان الشعبي، وأسهمت في ترسيخ الأغنية المغربية في بعدها الأصيل والمتجدد.
تميّزت مسيرته أيضًا بشراكات إبداعية مثمرة مع قامات في الزجل والتلحين، من بينها الزجال أحمد الطيب لعلج والملحن عبد القادر الراشدي، حيث التقت الكلمة العميقة باللحن المتقن، وصوت بلخياط القادر على احتواء هذا التنوع دون أن يفقد هويته.
وخارج الغناء، خاض الراحل تجربة سينمائية محدودة لكنها دالة، من خلال مشاركته في فيلمين للمخرج عبد الله المصباحي، هما “الصمت، اتجاه ممنوع” (1973) و“أين تخبئون الشمس؟”، ضمن أعمال جمعت فنانين من المغرب ومصر، وأبرزت حضوره الفني في فضاء تعبيري آخر.
رحل عبد الهادي بلخياط عن عمر ناهز 86 سنة، بعد مسار حافل بالعطاء، ظل خلاله وفيًا لفنه، ولثقافته، وللصوت الذي اختار أن يكون مرآة لعمق الإنسان المغربي. صوت سيظل حاضرًا، لا بوصفه ذكرى، بل كجزء حي من وجدان موسيقي ما زال يتنفس من خلال أغانيه.
