العجز التجاري الدوائي بالمغرب يتجه نحو مزيد من الاتساع

يتجه العجز التجاري للمغرب في قطاع الأدوية إلى مزيد من الاتساع خلال السنوات المقبلة، في ظل استمرار نمو الواردات بوتيرة تفوق الصادرات، رغم الإصلاحات التشريعية والجمركية الرامية إلى تحسين الولوج إلى الدواء وتعزيز تنافسية الصناعة الصيدلانية الوطنية.

وحسب مذكرة حديثة لمؤسسة BMI التابعة لـ”Fitch Solutions”، دفعت أحدث بيانات التجارة الخارجية المؤسسة إلى مراجعة توقعاتها بشأن سوق الأدوية المغربية، بعدما سجلت الواردات خلال السنة الماضية نمواً أقوى من المتوقع، ما أدى إلى ارتفاع العجز التجاري للقطاع.

وأوضحت المذكرة، التي اطلعت عليها “هسبريس”، أن صادرات المغرب من المنتجات الصيدلانية ظلت شبه مستقرة خلال السنة الماضية عند حوالي 1.6 مليار درهم، مسجلة زيادة سنوية لم تتجاوز 1.2 في المائة بالعملة المحلية.

في المقابل، ارتفعت الواردات بنسبة 17.4 في المائة، لتصل إلى 11.9 مليار درهم، متجاوزة التوقعات السابقة للمؤسسة التي كانت تشير إلى مستوى في حدود 10.8 مليارات درهم.

وأدى هذا التفاوت بين أداء الصادرات والواردات إلى ارتفاع العجز التجاري الدوائي من 9.2 مليارات درهم إلى 10.3 مليارات درهم، وسط توقعات باستمرار تفوق الواردات على الصادرات خلال السنوات المقبلة، لتصل الفجوة إلى نحو 13.4 مليار درهم بحلول سنة 2030.

وترى BMI أن استمرار الطلب على الأدوية المستوردة يمثل أحد أبرز العوامل وراء هذا المسار، مدفوعاً بارتفاع الإنفاق الصحي والإجراءات الجمركية الجديدة الهادفة إلى خفض أسعار عدد من المنتجات الأساسية ومعالجة حالات الخصاص المسجلة في السوق.

وفي السياق ذاته، تتوقع المؤسسة ارتفاع مبيعات الأدوية في المغرب من 35.8 مليار درهم خلال 2025 إلى 38.6 مليار درهم في 2026، بنمو يبلغ 7.8 في المائة، قبل أن تصل إلى حوالي 46.3 مليار درهم بحلول 2030، بالتوازي مع ارتفاع الإنفاق الفردي واتساع حضور المنتجات الدوائية في السوق المغربية.

وفي مقابل تصاعد الواردات، تراهن الإصلاحات الجارية على تطوير الصناعة الدوائية المحلية وتوسيع استعمال الأدوية الجنيسة، بهدف تقليص الاعتماد على المنتجات المستوردة على المدى المتوسط والطويل.

وأشارت مذكرة BMI إلى مصادقة مجلس المستشارين، خلال يونيو الماضي، على مشروع القانون رقم 27.26 المتعلق بمراجعة مدونة الأدوية والصيدلة، بما يوسع اختصاصات الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية في مجالات الترخيص والمراقبة والتفتيش واليقظة الدوائية.

وترى المؤسسة أن تقليص آجال الترخيص بتسويق الأدوية يمكن أن يسرع دخول الأدوية الجنيسة إلى السوق، ويعزز القدرة التنافسية للمصنعين المغاربة، خصوصاً في مواجهة منافسين دوليين تمكنوا من الولوج بشكل أسرع إلى عدد من الأسواق الإفريقية.

وتتوقع BMI أن تصل قيمة سوق الأدوية الجنيسة في المغرب إلى حوالي 20.7 مليار درهم بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 6.3 في المائة بالعملة المحلية.

ومن شأن هذا التطور أن يساهم تدريجياً في الحد من نمو الواردات، غير أن المؤسسة تستبعد أن يكون كافياً لعكس اتجاه العجز التجاري الدوائي خلال الفترة التي تغطيها توقعاتها.

وفي المدى القصير، ساهم خفض الرسوم الجمركية بدوره في زيادة الضغوط على الميزان التجاري الدوائي. فقد أشارت المذكرة إلى أن قانون المالية لسنة 2026 خفض الرسوم المفروضة على 112 دواءً أساسياً من 30 في المائة إلى 2.5 في المائة، إلى جانب تخفيضات جزئية شملت عشرة منتجات أخرى.

وجاءت هذه الإجراءات بعد تسجيل حالات خصاص مست أكثر من 600 دواء خلال سنة 2025، ما جعل ضمان توفر الأدوية الأساسية أولوية تتجاوز، في المدى القصير، هدف تقليص فاتورة الاستيراد.

كما تزامن ذلك مع رفع ميزانية قطاع الصحة خلال 2026 بنسبة 30 في المائة، لتبلغ مستوى قياسياً قدره 42.3 مليار درهم، وهو ما تتوقع المؤسسة أن يدعم المشتريات العمومية والطلب على المنتجات الصيدلانية ويساعد على تخفيف الضغوط المرتبطة بنقص بعض الأدوية.

لكن الوجه الآخر لهذا الارتفاع في الإنفاق الصحي يتمثل في استمرار الضغط على الواردات، وبالتالي اتساع الفجوة التجارية للقطاع.

وتربط BMI مستقبل سوق الأدوية أيضاً بمتانة النمو الاقتصادي المغربي، إذ تتوقع نمواً حقيقياً للناتج الداخلي الإجمالي بنسبة 4.2 في المائة خلال 2026 و4.1 في المائة خلال 2027، بما يدعم استمرار مستويات مرتفعة من الإنفاق الصحي.

وبذلك، تبدو المعادلة أمام المغرب واضحة: فكلما توسع سوق الأدوية وارتفع الإنفاق الصحي، زادت الحاجة إلى تعزيز الإنتاج المحلي لتجنب تحول نمو الطلب إلى زيادة موازية في الواردات.

وتشير توقعات المؤسسة إلى أن تقليص العجز التجاري الدوائي لن يتحقق فقط عبر خفض الرسوم أو تسهيل الولوج إلى الأدوية، بل سيظل مرتبطاً بقدرة الصناعة المغربية على رفع الإنتاج، وتسريع تصنيع الأدوية الجنيسة، وتعزيز تنافسية المنتج الوطني، وتقليص الاعتماد على الخارج.

Exit mobile version