تتجه جهة الداخلة وادي الذهب إلى استكشاف آفاق الاستثمار في الطاقة الريحية البحرية، مستفيدة من موقعها الساحلي ومؤهلاتها الطبيعية المطلة على المحيط الأطلسي، في سياق التوجه الوطني نحو تنويع مصادر إنتاج الكهرباء النظيفة وتعزيز الأمن الطاقي، إلى جانب دعم مشاريع الهيدروجين الأخضر والتنمية المستدامة بالأقاليم الجنوبية.
وفي هذا الإطار، احتضنت مدينة الداخلة، أمس الاثنين، ورشة جهوية للحوار حول طاقة الرياح البحرية، بمبادرة من التحالف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة، وبشراكة مع الصندوق الموحد للطاقة الدولية، بهدف تعبئة الفاعلين المحليين ومناقشة الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لهذا القطاع، فضلا عن بحث سبل تطويره وفق مقاربة مستدامة.
وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة بالنظر إلى المؤهلات الجغرافية والبحرية التي تزخر بها الجهة، والتي تتيح استكشاف إمكانية استغلال الرياح في عرض البحر لإنتاج الكهرباء من مصادر متجددة. ومن شأن هذا التوجه، في حال إثبات جدواه التقنية والاقتصادية، أن يعزز موقع الداخلة ضمن خريطة الطاقات المتجددة بالمغرب، ويفتح المجال أمام استثمارات جديدة مرتبطة بالانتقال الطاقي.
ويرتقب أن يتيح تطوير مشاريع الطاقة الريحية البحرية فرصا لاستقطاب شركات متخصصة في الطاقات المتجددة، وتحفيز الأنشطة الصناعية والخدماتية المرتبطة بإنشاء المنشآت البحرية وتشغيلها وصيانتها، إلى جانب إمكانية إحداث فرص شغل في مجالات الهندسة والأشغال البحرية والخدمات اللوجستية والتكوين التقني.
كما يمكن للمقاولات المحلية الاستفادة من الفرص التي تتيحها سلاسل التوريد والخدمات المرتبطة بهذه المشاريع، بما من شأنه دعم النسيج الاقتصادي الجهوي وتنويع الأنشطة الإنتاجية ومصادر الدخل.
ويبرز الهيدروجين الأخضر بدوره كأحد المجالات التي يمكن أن تستفيد من تطوير الطاقة الريحية البحرية، بالنظر إلى إمكانية توظيف الكهرباء المنتجة من الرياح في تشغيل وحدات التحليل الكهربائي للماء لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته. وقد يفتح هذا التكامل آفاقا أمام إحداث أنشطة صناعية جديدة وتعزيز فرص التصدير، شريطة توفير البنيات التحتية والتمويلات الضرورية وضمان الجدوى الاقتصادية للمشاريع.
غير أن الانتقال من مرحلة استكشاف الإمكانات إلى إنجاز مشاريع فعلية يظل رهينا بتوفير مجموعة من الشروط، في مقدمتها إجراء دراسات تقنية دقيقة لتقييم موارد الرياح البحرية وتحديد المناطق المناسبة لإقامة المنشآت، فضلا عن تطوير شبكات نقل الكهرباء والبنيات التحتية المينائية واللوجستية.
كما يتطلب تطوير هذا القطاع إرساء إطار تنظيمي واضح ومحفز للاستثمار، وتعبئة التمويلات اللازمة، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات العمومية والقطاع الخاص ومراكز البحث العلمي، بما يضمن توفير الظروف الملائمة لإنجاز المشاريع واستدامة مردوديتها.
وفي المقابل، تظل حماية البيئة البحرية من المحددات الأساسية لأي توجه استثماري في هذا المجال، بالنظر إلى الأهمية البيئية والاقتصادية لخليج الداخلة، الذي يحتضن أنشطة حيوية تشمل الصيد البحري وتربية الأحياء المائية والسياحة والرياضات البحرية.
ويستدعي ذلك إخضاع المشاريع المحتملة لتقييمات بيئية دقيقة، تأخذ بعين الاعتبار حماية التنوع البيولوجي البحري والمناطق المحمية والمراعي البحرية، مع العمل على الحد من التأثيرات المحتملة على الأنشطة الاقتصادية القائمة.
ويشكل إشراك المهنيين والساكنة المحلية والباحثين ومكونات المجتمع المدني في مختلف مراحل التخطيط والتنفيذ عاملا أساسيا لضمان التوازن بين متطلبات الاستثمار والحفاظ على الموارد الطبيعية، بما يتيح للجهة الاستفادة من الفرص الاقتصادية المرتبطة بهذا القطاع دون الإضرار بتوازنها البيئي والاجتماعي.
وشكلت الورشة الجهوية المنظمة بالداخلة مناسبة لتبادل وجهات النظر بشأن مستقبل الطاقة الريحية البحرية بالمغرب، وتقديم الخلاصات الأولية لعمل استمر قرابة عام، بمشاركة أكثر من 20 خبيرا وطنيا ودوليا.
كما انصبت النقاشات على قضايا الحكامة والإطار التنظيمي، والآثار البيئية والاجتماعية، فضلا عن الفرص الاقتصادية وسلاسل القيمة المرتبطة بتطوير هذا النوع من الطاقات المتجددة.
وتعكس هذه المبادرة أهمية اعتماد مقاربة تشاركية لإعداد توصيات عملية من شأنها المساهمة في إدماج الطاقة الريحية البحرية ضمن الاستراتيجيات الطاقية وخطط التنمية الجهوية، مع استكشاف فرص التكامل بينها وبين مشاريع الهيدروجين الأخضر، بما يعزز جاذبية الأقاليم الجنوبية للاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد منخفض الكربون.
وبذلك، تبرز جهة الداخلة وادي الذهب كإحدى المناطق التي يمكن استكشاف إمكاناتها في مجال الطاقة الريحية البحرية، بالنظر إلى مؤهلاتها الجغرافية والاقتصادية، وما قد يتيحه هذا القطاع من فرص للاستثمار وخلق فرص الشغل وتنويع الأنشطة الإنتاجية. غير أن تحقيق هذه الآفاق يبقى مرتبطا بتوفير الشروط التقنية والمالية والتنظيمية اللازمة، واعتماد تخطيط متكامل يوازن بين التنمية الاقتصادية وتعزيز الأمن الطاقي وحماية البيئة البحرية.
