في ظل التوتر المستمر في سوق العقارات وارتفاع الإيجارات في المدن الكبرى، يستعدّ الحكومة المغربية لاتخاذ تحول استراتيجي. عند مفترق طرق السياسات لمكافحة السكن غير الصحي وتنظيم السوق الإيجاري، يتم دراسة نظام إيجار منظم، مصحوباً بآلية ادخار تدريجية. الهدف المعلن: تقليص تكلفة السكن حتى 20%، مع تسهيل الوصول إلى الملكية للطبقة المتوسطة.
وفقاً للسلطات، تنطلق هذه الفكرة في سياق حضري تحت ضغط قوي. بحلول 31 ديسمبر 2025، تم تضمين أكثر من 382.000 عائلة في برنامج مدن بلا أحياء عشوائية، مما يكشف عن حجم الجهود المبذولة على مدار أكثر من عشرين عاماً وحدود نموذج يركز بشكل رئيسي على الإيواء الكمي. الآن، تعتزم الحكومة تجاوز هذا النهج من خلال ربط السياسات الاجتماعية وتنظيم السوق والتخطيط الحضري المستدام.
سوق غير متوازن بسبب الندرة والمضاربة
في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء، الرباط، طنجة أو مراكش، يتم تغذية ارتفاع الإيجارات بشكل كبير من خلال اختلال هيكلي بين العرض والطلب. تركّز الوظائف والخدمات، ندرة الأراضي القابلة للبناء، ونقص السكن الميسور، كلها تُسهم في الضغط المستمر على الأسعار سواء على مستوى الشراء أو الإيجار.
تضاف إلى هذه العوامل دور متزايد للم مضاربة العقارية. يستثمر بعض المستثمرين في شراء وحدات سكنية بهدف إعادة بيعها بسرعة أو تأجيرها، مما يسهم في سحب العقارات من السوق السكني التقليدي. كما أن تطوير منصات تأجير قصيرة الأجل، مثل إير بي إن بي، يعزز هذا الظاهرة بتحويل الوحدات المعدة للسكن الدائم إلى أصول سياحية موسمية.
بشكل متناقض، تشير البيانات الرسمية إلى أكثر من 1.1 مليون وحدة سكنية شاغرة وحوالي 1.3 مليون منزل ثانوي، تتركز بشكل كبير في المناطق الأكثر جاذبية. إن هذا المخزون غير المُستخدم يتعايش مع النقص الذي يشعر به الأسر، مما يُظهر الأعطاب العميقة في السوق.
الإيجار المنظم كأداة انتقالية
في هذا السياق، تفكر الحكومة في نموذج جديد للإيجار المنظم، يستند إلى وحدات سكنية مبنية أو تم اقتناؤها من طرف هيئات عمومية جهوية. ستعرض هذه الوحدات بإيجارات أقل من أسعار السوق، مع خصوصية مبتكرة: جزء من الإيجار المدفوع سيُستثمَر كمدخرات، مخصص لتكوين مساهمة لشراء السكن مستقبلاً.
تهدف هذه الآلية إلى مواجهة الصعوبات المتزايدة في الحصول على الائتمان البنكي وتقديم مسار سكني أكثر استقراراً للطبقة المتوسطة، التي تجد نفسها حالياً بين ارتفاع الأسعار وصرامة ظروف التمويل.
تُنتظر النتائج الأولية للدراسة الحالية بحلول مارس 2026. من المتوقع أن تحدد هذه النتائج تفاصيل التنفيذ، المناطق المعنية، ومعايير الأهلية، بالإضافة إلى أي تدابير محتملة لتنظيم إيجارات السياحة قصيرة الأجل.
إعادة تصور المدينة إلى ما وراء السكن
بعيداً عن قضية الإيجارات، تعكس هذه الاتجاه رغبة أوسع في إعادة تصور النموذج الحضري المغربي. لم تعد محاربة الأحياء العشوائية محصورة في مجرد نقل السكان إلى الأطراف. تركز السلطات الآن على إعادة توطين متكامل، يجمع بين الإسكان، النقل، المرافق العامة، الوصول إلى العمل، والخدمات القريبة.
تتمثل المعضلة هنا في جوانب اجتماعية واقتصادية وسياسية. إن القدرة على التحكم في ديناميكيات الحضرية، واحتواء المضاربة، وضمان وصول عادل إلى السكن تُحدد التماسك الاجتماعي، جاذبية المدن الكبرى، والاستقرار على المدى الطويل.
من خلال الجمع بين تنظيم الإيجارات، إعادة هيكلة السكن، والحكم العقاري، يبدو أن المغرب دخل في إعادة هيكلة تدريجية لسياسة الإسكان، والتي من المتوقع أن تستجيب للتحديات الهيكلية التي ستتزايد في السنوات القادمة.
