خلص تقرير تحليلي حديث أصدره مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد (Policy Center)، إلى أن المقاربة التقنية القائمة على بناء السدود ومحطات التحلية لم تعد كافية وحدها لتأمين الأمن المائي للمملكة. وأكد التقرير أن المغرب مطالب اليوم بإحداث “ثورة سلوكية” وإصلاحات جذرية في تدبير الطلب، معتبراً أن الحد من الهدر المائي لا يقل أهمية عن البحث عن موارد جديدة.
أورد التقرير، الذي أعده الباحث هنري لويس فيدي، أرقاما تعكس حجم التحدي؛ فبينما يوجه العالم نحو 70% من موارده المائية للزراعة، يخصص المغرب 88% من مياهه لهذا القطاع. وحذر الباحث من أن النمو الديمغرافي المتزايد والحاجة للأمن الغذائي سيرفعان الطلب على الإنتاج الفلاحي، مما يضع الموارد المائية تحت ضغط غير مسبوق إذا لم يتم تقنين الزراعات المستنزفة للماء، مثل الأفوكادو والبطيخ الأحمر.
كشف التقرير عن معطيات صادمة تتعلق بالهدر التقني، حيث تضيع في بعض المدن الكبرى ما يصل إلى 30% من مياه الشرب قبل وصولها للمستهلك بسبب تقادم الشبكات والربط غير القانوني. ولا يتوقف النزيف عند القنوات، بل يمتد للسدود التي تفقد سنوياً نحو 75 مليون متر مكعب من قدرتها التخزينية بسبب “الطمي” والترسبات الناتجة عن التعرية وتراجع الغطاء الغابوي.
وفي مقترح جريء لإصلاح المنظومة، دعا التقرير إلى اعتماد نظام “التسعير الثنائي”. ويرتكز هذا المقترح على التعرفة التصاعدية: رفع الأسعار بشكل ملموس على كبار المستهلكين (الفيلات، المسابح، والأنشطة الصناعية والفلاحية المستنزفة)، بحيث تعكس التعرفة التكلفة الحقيقية لإنتاج الماء عبر التحلية والمعالجة.
وأشاد التقرير بالتوجه المغربي نحو الموارد غير التقليدية، مشيرا إلى أن محطات تحلية مياه البحر ومشروع “الطريق السيار للماء” بين حوضي سبو وأبي رقراق هي خطوات ضرورية. كما أبرز أهمية معالجة المياه العادمة، حيث يطمح المغرب لإعادة استعمال 340 مليون متر مكعب في أفق 2050 لسقي المساحات الخضراء والغولف.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن سهولة الوصول للماء عبر الصنابير خلقت “وهماًبالوفرة” لدى المواطن، وهو ما يتطلب حملات توعوية تعيد الاعتبار لقيمة الماء كورد نادر، وتدفع نحو تغيير العادات اليومية في الاستحمام والمنزل، لضمان صمود المملكة أمام توالي سنوات الجفاف.
