آخر الأخبارجديد الأسواق

هل حان وقت شراء الذهب؟

بعد موجة الصعود الاستثنائية التي دفعت الذهب إلى تسجيل مستويات قياسية غير مسبوقة خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، دخل المعدن النفيس مرحلة تصحيح أثارت تساؤلات واسعة لدى المستثمرين والمستهلكين في المغرب بشأن ما إذا كان الاتجاه الصاعد قد بلغ نهايته، أم أن التراجع الحالي لا يعدو أن يكون استراحة مؤقتة قبل استئناف الارتفاع.

وتكتسي هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنسبة للسوق المغربية، حيث ارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق خلال الأشهر الماضية، سواء بالنسبة للمستثمرين أو بالنسبة للأسر التي تعتبر المعدن الأصفر وسيلة ادخار وحفظ للقيمة، فضلا عن ارتباطه بالعادات الاجتماعية ومواسم الأعراس.

مستوى تاريخي لأسعار الذهب عالميا
وعلى الصعيد العالمي، بلغ الذهب مستوى تاريخيا في يناير 2026 عندما تجاوزت الأوقية 5600 دولار، قبل أن تبدأ الأسعار في التراجع تدريجيا بفعل تغير توقعات الأسواق بشأن السياسة النقدية الأمريكية وعودة قوة الدولار. وبحسب بيانات الأسواق الدولية، انخفضت الأسعار بنحو 25 في المائة مقارنة بذروة يناير، لتتداول حول مستوى 4200 دولار للأوقية خلال يونيو الجاري، رغم بقائها أعلى بحوالي 27 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.

وخلال الأسبوع الأخير، واصل المعدن النفيس تسجيل خسائره للأسبوع الثالث على التوالي، حيث تراجع السعر الفوري بنسبة 0.9 في المائة ليستقر عند 4169 دولارا للأوقية، بينما انخفضت العقود الأمريكية الآجلة إلى 4186 دولارا، في وقت ساهمت فيه قوة الدولار الأمريكي وتشدد مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الضغط على المعدن النفيس.

ورغم هذه التراجعات، فإن الذهب ما يزال يحقق مكاسب سنوية قوية. وتشير بيانات Goldprice.org إلى أن المعدن الأصفر ارتفع بأكثر من 33 في المائة مقارنة بمستوياته قبل عام، رغم انخفاضه بأكثر من 8 في المائة خلال الثلاثين يوما الماضية.

الذهب في المغرب: بين 950 و1280 درهم
في المغرب، انعكست هذه التطورات بشكل مباشر على الأسعار المحلية. فبعد أن سجلت مستويات قياسية خلال الربع الأول من السنة، عرفت أسعار الذهب بعض التراجع تماشيا مع الأسواق العالمية، إذ يدور سعر غرام الذهب عيار 24 حاليا حول 1280 درهما، بينما يتراوح سعر الغرام عيار 21 بين 1110 و1130 درهما، وسعر الغرام عيار 18 بين 950 و970 درهما، مع اختلافات طفيفة حسب المدن وهوامش البيع.

ويؤكد مهنيون أن التصحيح الذي عرفته الأسعار ساهم نسبيا في تنشيط الطلب بعد فترة من الترقب، خصوصا مع اقتراب موسم الصيف وموسم الأعراس، حيث يزداد الإقبال على اقتناء الحلي والمجوهرات.

ويرى محللون أن ما يحدث حاليا لا يعكس انهيارا في السوق، بل يمثل تصحيحا طبيعيا بعد ارتفاعات استثنائية. فقد أدت التوقعات السابقة بخفض أسعار الفائدة الأمريكية إلى دفع الأسعار نحو مستويات قياسية، غير أن استمرار الاحتياطي الفيدرالي في تبني سياسة نقدية متشددة ساهم في تغيير المزاج السائد داخل الأسواق المالية.

وأبقى البنك المركزي الأمريكي أسعار الفائدة دون تغيير، مع استمرار توقعات رفعها مجددا خلال الأشهر المقبلة، وهو ما أدى إلى ارتفاع الدولار وتراجع جاذبية الذهب باعتباره أصلا لا يدر عائدا.

لكن رغم هذا الضغط، لا تزال المؤسسات المالية الكبرى تتوقع استمرار الاتجاه الصاعد على المدى المتوسط. فقد أبقى بنك باركليز توقعاته لسعر الذهب عند 4791 دولارا خلال 2026 و4900 دولار في 2027، معتبرا أن العوامل الأساسية التي دعمت المعدن الأصفر لم تتغير.

من جهته، يتوقع بنك جي بي مورغان أن يبلغ متوسط السعر خلال الربع الأخير من 2026 حوالي 5055 دولارات للأوقية، مع إمكانية ارتفاعه إلى أكثر من 5400 دولار خلال 2027، مستفيدا من استمرار مشتريات البنوك المركزية وضعف الدولار مستقبلا.

كما تشير توقعات بنك أوف أمريكا إلى إمكانية بلوغ الذهب مستوى 5000 دولار للأوقية، في حال استمرار الطلب الاستثماري بالمعدلات الحالية.

وتبقى مشتريات البنوك المركزية أحد أهم العوامل التي تمنح الذهب دعما هيكليا طويل الأمد. فقد واصلت العديد من المؤسسات النقدية، خاصة في الأسواق الناشئة، تعزيز احتياطاتها من المعدن النفيس بهدف تنويع الأصول وتقليص الاعتماد على الدولار، وهو ما يخلق طلبا مستداما على الذهب حتى خلال فترات التصحيح.

وفي المقابل، لا يستبعد بعض الخبراء استمرار الضغوط على المدى القصير. وتشير التحليلات الفنية إلى أن مستوى 4000 دولار للأوقية يمثل دعما أساسيا، فيما قد يقود كسره إلى تراجعات إضافية نحو 3900 دولار، قبل أن تستعيد الأسعار توازنها.

كما أن تحسن الأوضاع الجيوسياسية وتراجع المخاوف المرتبطة بالتضخم قد يدفعان المستثمرين إلى تحويل جزء من أموالهم نحو الأسهم والأصول ذات العوائد المرتفعة، وهو ما قد يقلص الطلب على الذهب مؤقتا.

غير أن السيناريو الأكثر ترجيحا لدى غالبية المؤسسات المالية يتمثل في استمرار التذبذب خلال الأشهر المقبلة، مع احتفاظ الذهب بعوامل دعم قوية تسمح له باستعادة مساره الصاعد خلال النصف الثاني من السنة.

وبالنسبة للسوق المغربية، فإن تطور الأسعار سيظل مرتبطا أساسا بثلاثة عوامل رئيسية، هي اتجاه الأسعار العالمية، وسعر صرف الدولار مقابل الدرهم، وحجم الطلب المحلي المرتبط بمواسم الأعراس والعطل الصيفية.

ويبدو أن التراجع الذي عرفه الذهب خلال الأسابيع الأخيرة لا يمثل نهاية دورة الصعود التي بدأت منذ سنوات، بل يندرج ضمن مرحلة تصحيح طبيعية بعد موجة ارتفاع تاريخية دفعت الأوقية إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق.

وبين فرضية استمرار التصحيح واحتمال العودة إلى الارتفاع، يبقى المؤكد أن الذهب ما زال يحافظ على جاذبيته كملاذ آمن وأداة للتحوط من التضخم، وأن الأسس التي دعمت صعوده خلال السنوات الأخيرة ما تزال قائمة، الأمر الذي يجعل الكثير من المحللين يستبعدون حدوث انعكاس هيكلي طويل الأمد، ويرجحون أن تكون المرحلة الحالية مجرد محطة مؤقتة قبل موجة ارتفاع جديدة، وإن كانت بوتيرة أكثر اعتدالا من تلك التي شهدتها الأسواق خلال بداية سنة 2026.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى