ثقافة و ترفيه

كتاب: الأطلسي، مفتاح لفهم تاريخ ومستقبل المغرب البحري

وماذا لو كانت قصة المغرب تُقرأ أولًا من البحر؟ هذا هو التحدي الذي يطرحه الكتاب «عندما يروي الأطلنطي قصة المغرب»، لوحة تاريخية بصرية تُستكشف فيها العلاقة العميقة بين المملكة وأفقها البحري.

على طول 3400 كيلومتر من السواحل وشبكة من 34 ميناءً، يشكّل المغرب، منذ قرون، واجهة استراتيجية بين إفريقيا، أوروبا، والعالم الأطلنطي. يقدم الكتاب فرصة لإعادة النظر في هذا البعد البحري الذي غالبًا ما يُقلل من قيمته في التاريخ الوطني.

دعوة بحرية راسخة في التاريخ

يقع المغرب عند تقاطع الأطلنطي، البحر الأبيض المتوسط، ومضيق جبل طارق، مما يجعله يتمتّع بموقع جغرافي فريد شكل علاقته بالعالم.

على عكس الفكرة السائدة، لم يكن المملكة يومًا موجهة نحو الداخل. منذ العصور القديمة، شاركت السواحل المغربية في الطرق البحرية الكبرى، من المراكز الفينيقية والرومانية في موريطانيا التينجيتانية إلى المدن الساحلية في العصور الوسطى.

مع مرور القرون، أصبحت الموانئ المغربية مراكز تبادل وتأثير وأحيانًا قوة بحرية، خصوصًا في زمن المدن القرصانية.

تستمر هذه الديناميكية اليوم مع المشاريع المينائية الكبرى في المملكة، مثل ميناء طنجة المتوسط أو ميناء الداخلة الأطلنطي المقبل، التي تؤكد مجددًا التوجه البحري واللوجستي للمغرب في التجارة العالمية.

الأطلنطي كفضاء للحركة والتبادل

في قلب الكتاب، فكرة قوية: البحر ليس حدودًا بل فضاءً للتنقل.

مستوحاة من التأمل الشهير للمؤرخ فرناند بروديل — «البحر ليس حدودًا، إنه طريق» — تُظهر التحليلات كيف كان الأطلنطي وسيلة للتبادل بين الشعوب، المعارف، والثقافات.

تُثري الخرائط التاريخية، الأرشيفات، الرموز النادرة، وسير الشخصيات البارزة هذه الغوص في عدة قرون من التاريخ البحري.

يكشف السرد عن استمرارية نفس الحركة: حركة المغرب المتصل بالشبكات التجارية والثقافية الكبرى التي تُشكل الفضاء الأطلنطي والمتوسطي.

نظرة تاريخية لفهم المغرب اليوم

أكثر من كونه كتابًا تاريخيًا، يسعى «عندما يروي الأطلنطي قصة المغرب» لأن يكون مفتاحًا لفهم معاصر.

عبر تتبع تطور الموانئ، الطرق التجارية، ومناطق النفوذ البحرية، يُظهر الكتاب كم أن نمو البلاد مرتبط ارتباطًا وثيقًا بفتحها البحري.

في هذا الإطار، نجد أن صعود قوة البنية التحتية المينائية المغربية لا يُعتبر انقطاعًا بل استمرارًا لإرث تاريخي قديم.

المغرب يظهر بذلك كفاعل متكامل في الديناميكيات الأطلنطية والمتوسطية.

كتاب من إعداد مختصين في التاريخ البحري

هذا الكتاب الجميل من 292 صفحة، المزخرف غنيًا والمقدم في غلاف، تم إنتاجه من قِبل جمعية تاريخ المغرب الحي، بشراكة مع CCME وMaha Editions.

يعتمد الكتاب، على وجه الخصوص، على أعمال المؤرخة ليلى مزيان، المختصة المعروفة في التاريخ البحري والعصور الحديثة. عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بن مسيك في جامعة حسن الثاني بالدار البيضاء، هي مؤلفة عدة كتب مرجعية حول الموانئ والديناميكيات البحرية للمغرب.

تساهم أبحاثها، التي نالت جوائز عديدة منها جائزة Corderie Royale Hermione، في تجديد النظر إلى مكانة المملكة في الفضاءات الأطلنطية والمتوسطية.

إحياء التاريخ لإضاءة المستقبل

عبر هذا المشروع التحريري، تسعى جمعية تاريخ المغرب الحي إلى تحقيق هدف واضح: جعل التاريخ الوطني متاحًا وحيويًا للأجيال الجديدة.

تشمل المبادرات التي تقوم بها الجمعية نشر الكتب، تنظيم معارض، إنتاج محتوى سمعي بصري، وبرامج تعليمية تهدف إلى تعزيز التراث التاريخي للبلاد.

مقتنعة بأن فهم الماضي هو مفتاح للتفكير في المستقبل، تدعو الجمعية، عبر هذا الكتاب، إلى إعادة اكتشاف المغرب من سواحلها وآفاقها البحرية.

زر الذهاب إلى الأعلى