آخر الأخبارصحة و رشاقة

المستشفيات الجديدة رافعة استراتيجية لإصلاح القطاع الصحي بالمغرب

يشهد القطاع الصحي بالمغرب تحولا نوعيا من خلال إطلاق جيل جديد من المستشفيات والمراكز الاستشفائية الجامعية، في إطار ورش وطني واسع يهدف إلى تحديث البنية التحتية الصحية، وتحسين جودة الخدمات، ومواكبة تنزيل مشروع تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الشاملة.

ويأتي المركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا بالرباط في مقدمة هذه المشاريع الكبرى، باعتباره أحد أكبر الأوراش الصحية التي أطلقها المغرب خلال السنوات الأخيرة. ويعد هذا الصرح الطبي الجديد، الذي يعوض البنية الحالية لمستشفى ابن سينا، من بين أكبر المؤسسات الاستشفائية بالقارة الإفريقية، حيث رصدت له استثمارات تقارب 6 مليارات درهم، بطاقة استيعابية تصل إلى حوالي 1044 سريرا، إضافة إلى تجهيزات طبية وتقنية متطورة تعتمد على أحدث المعايير الدولية في مجالات التشخيص والعلاج والبحث العلمي.

ويجسد المشروع الجديد توجه المغرب نحو بناء مستشفيات جامعية حديثة لا تقتصر مهمتها على تقديم العلاج، بل تجمع بين الرعاية الصحية والتكوين الطبي والبحث العلمي، بما يعزز مكانة المملكة كقطب صحي إقليمي قادر على مواكبة الطلب المتزايد على الخدمات الطبية المتخصصة.

وفي الاتجاه نفسه، تتواصل مشاريع تطوير البنية الاستشفائية في مختلف جهات المملكة، من بينها مشروع المركز الاستشفائي الجامعي بمدينة العيون، الذي يمثل إحدى ركائز تعزيز العرض الصحي بالأقاليم الجنوبية. ويهدف هذا المشروع إلى تقريب الخدمات الطبية المتخصصة من الساكنة، والحد من الحاجة إلى التنقل نحو المدن الكبرى للاستفادة من بعض العلاجات، فضلا عن دعم التنمية الترابية وتعزيز العدالة المجالية في المجال الصحي.

كما يندرج المركز الاستشفائي الجامعي بطنجة ضمن هذا الجيل الجديد من المؤسسات الصحية، حيث يشكل رافعة لتطوير الخدمات الطبية بجهة طنجة تطوان الحسيمة، ومواكبة النمو الديمغرافي والاقتصادي الذي تعرفه المنطقة. وتتوفر هذه المؤسسة على تجهيزات حديثة وتخصصات متعددة، بما يعزز قدرة الجهة على استقبال المرضى وتوفير علاجات ذات مستوى متقدم.

وبجهة الشرق، يعكس مشروع المركز الاستشفائي الجامعي بوجدة بدوره التحول الذي يعرفه القطاع الصحي، من خلال تعزيز العرض الاستشفائي بالمنطقة الشرقية، وتوفير خدمات جامعية متخصصة لفائدة ساكنة الجهة والمناطق المجاورة، إلى جانب دعم التكوين الطبي والبحث العلمي.

وتأتي هذه المشاريع في سياق إصلاح شامل للمنظومة الصحية الوطنية، يرتكز على إعادة تأهيل المؤسسات الصحية، وتعزيز الموارد البشرية، وتطوير الحكامة، وربط البنية الاستشفائية الجديدة بمشروع الدولة الاجتماعية الذي جعل تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية من أولوياته الكبرى.

وقد عرف ورش التغطية الصحية بالمغرب تحولا مهما بعد توسيع الاستفادة من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض ليشمل ملايين المواطنين، وهو ما فرض ضرورة الرفع من قدرة المؤسسات الصحية وتحسين جودة الخدمات لمواكبة ارتفاع الطلب على العلاج.

ومن هذا المنطلق، لا تمثل المستشفيات الجديدة مجرد بنايات طبية، بل تشكل جزءا من رؤية استراتيجية تهدف إلى بناء منظومة صحية أكثر نجاعة واستدامة.

كما تراهن المملكة من خلال هذه المشاريع على تعزيز السيادة الصحية، عبر تطوير قدراتها في مجالات العلاج المتخصص، وتشجيع البحث الطبي، واستقطاب الكفاءات، وتقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية، بما يجعل الحق في العلاج مرتبطا بجودة العرض وليس فقط بتوسيع دائرة المستفيدين.

ويؤكد هذا المسار أن المغرب يتجه نحو نموذج صحي جديد يقوم على الاستثمار في البنية التحتية الحديثة، وتوسيع التغطية الصحية، وربط الصحة بالتنمية البشرية، في أفق بناء منظومة قادرة على الاستجابة للتحولات الديمغرافية والاجتماعية، وتعزيز موقع المملكة كفاعل صحي صاعد على المستوى الإفريقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى