شأن محلي

إدارة العمومية: محكمة الحسابات تشير إلى وجود ثغرات مستمرة وشفافية ضعيفة في تقديم الحسابات

تبنت محكمة الحسابات تقييمًا صارمًا بشأن فعالية الإدارة العامة في المغرب. في تقريرها السنوي 2024-2025، الذي تم تقديمه للملك محمد السادس، تسلط الهيئة القضائية الضوء على وجود عيوب هيكلية في تنفيذ الميزانية، وجودة الخدمات العامة، ومتابعة السياسات العامة، مع الإشارة إلى ضعف آليات العقوبات والتحصيل.

استنادًا إلى الآلاف من المراقبات القضائية، والمراجعات الإدارية، والتقييمات الموضوعية التي قامت بها المحكمة والمحاكم الجهوية للحسابات، يُبرز الوثيقة الفجوة المستمرة بين النصوص، والالتزامات البرمجية، والواقع الإداري على الأرض.

مؤشرات كبرى تتحسن، ولكن الإدارة العامة لا تزال هشة

على الصعيد الماكرواقتصادي، يشير التقرير إلى تحسن نسبي في التوازنات: حيث تصل نسبة النمو إلى 3,8% في عام 2024، مدعومًا بالأنشطة غير الزراعية، بينما تنخفض نسبة التضخم إلى 0,9% بعد 6,1% في عام 2023. ويسجل العجز في الميزانية 3,9% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 4,4% قبل عام، ويبلغ دين الخزانة 67,7% من الناتج المحلي الإجمالي.

لكن المحكمة تؤكد أن هذه الإشارات الإيجابية لا تعني بالضرورة تحسنًا هيكليًا في الأداء العام. وتعتبر الهيئة أن التقدم الملحوظ على مستوى المجموعات لا يجب أن يغطي على العيوب المتكررة على المستوى التشغيلي.

عقوبات مالية: الكثير من القرارات، لكن القليل من الأثر الرادع

في جانبها القضائي، تركز محكمة الحسابات على الانضباط المالي والميزاني. بين يناير 2024 وسبتمبر 2025، أصدرت أحكامًا في 99 قضية تتعلق بالخلل من قبل مديري الإدارة العامة: حيث تم معاقبة 72 شخصًا ماليًا بمبلغ إجمالي يقارب 4,1 مليون درهم، وصدرت 9 قرارات تأمر باسترداد مبالغ تمثل حوالي 1,2 مليون درهم.

كما يشير التقرير إلى أن 4.452 حكمًا نهائيًا تم إصدارها، من بينها أغلبية كبيرة من الرخص (4.235)، مقابل 217 قرارًا بالديون، بمجموع يناهز 57,9 مليون درهم. وتؤكد المحكمة أن شبه جميع الديون المفروضة تتعلق بخروقات مرتبطة بتحصيل الإيرادات العامة، في حين تبقى المخالفات المتعلقة بصحة المصروفات هامشية.

والأهم من ذلك، تحذر الهيئة من مشكلة مركزية: يبقى التحصيل الفعلي للعقوبات محدودًا. حيث تبلغ الأوامر المالية المرسلة إلى الخزينة العامة للمملكة حوالي 1,5 مليون درهم، لكن المبالغ المتحصلة فعلاً لا تتجاوز 540.000 درهم، مما يقلل بشكل كبير من الأثر الرادع للقرارات.

تصريحات الممتلكات: خروقات مستمرة

يفحص التقرير أيضًا احترام الالتزامات المتعلقة بتصريح الممتلكات. حتى نهاية أكتوبر 2025، كان هناك 154.931 شخصًا معنيين. ورغم أن المحكمة تشير إلى احترام كامل للإلتزام من قبل أعضاء الحكومة والبرلمانيين، إلا أنها تلاحظ تأخيرات وخروقات في فئات أخرى.

وفقًا للهيئة المالية، لم يلتزم أكثر من 8.000 خاضع بالالتزامات المتعلقة بالتصريح عند بدء أو إنهاء الوظائف، وهو مؤشر يُعتبر مقلقًا نظرًا لمتطلبات الشفافية.

الأحزاب السياسية: أموال مستردة، لكن مبالغ لا تزال مستحقة

فيما يتعلق بالتمويل العام للأحزاب السياسية، تشير محكمة الحسابات إلى أن 24 تكوينًا صدرت عنهم استرداد حوالي 36 مليون درهم من الدعم غير المستخدم أو غير المبرر. ومع ذلك، لا يزال 14 حزبًا مدينين بمبلغ يقارب 21,9 مليون درهم.

تذكر الهيئة أن الاستخدام الجدّي للأموال العامة هو شرط أساسي للشفافية والثقة في التمويل السياسي.

التأمين الصحي الإجباري: زيادة في النفقات، توازن مهدد

يخصص التقرير جزءًا مهمًا للسياسات الاجتماعية. بخصوص تعميم التأمين الصحي الإجباري (AMO)، تلاحظ المحكمة أن حوالي 31,9 مليون شخص كانوا مسجلين حتى نهاية 2024، أي حوالي 87% من السكان. لكن فتح الحقوق الفعلية لا يزال غير متساوٍ.

تلاحظ الهيئة خاصة تسارع النفقات: فقد ارتفعت من 13,6 مليار درهم في 2022 إلى ما يقرب من 25 مليار درهم في 2024، بينما تتقدم الإيرادات بخطى أبطأ. وتحذر المحكمة من غياب آليات التحكم في النفقات، مما قد يهدد التوازن المالي على المدى المتوسط.

ومن جانب آخر، تلقت الهيئة انتقادات بشأن توزيع نفقات الرعاية، التي تتركز بشكل كبير في القطاع الخاص. وفقًا للتقرير، يستحوذ القطاع الخاص على أكثر من تسعة أعشار المبالغ الممولة، مما يترك حصة ضئيلة للقطاع العام.

المساعدة الاجتماعية المباشرة: انطلاق متأخر وإطار غير مكتمل

فيما يخص المساعدة الاجتماعية المباشرة، تلاحظ المحكمة أن الانطلاق الفعلي لم يتم إلا في دجنبر 2023، وأن عدة أحكام تنظيمية لا تزال غائبة، مما يحد من تغطية بعض فئات المستفيدين.

في الصحة العامة، يبرز التقرير استمرار صعوبات هيكلية: جذابية، تجهيزات، موارد بشرية. وهي نقائص تسهم، وفقًا للهيئة، في تعزيز الاعتماد على القطاع الخاص على حساب العرض العام.

التعليم والخدمات المحلية: زيادة في الموارد، جودة غير متساوية

في التعليم، تلاحظ المحكمة أن زيادة الميزانيات لم تؤد إلى تحسين متساوٍ في شروط التعلم. وتشير إلى نقص في البنية التحتية، والوسائل التعليمية، والموارد البشرية، خصوصًا في المناطق القروية.

يتناول التقرير أيضًا خدمات عامة محلية تعتبر في حالة صعبة. مثال بارز: يضم المملكة أكثر من 29.000 مقبرة موزعة عبر 1.413 جماعة، لكن أقل من 0,4% منها توفر مستوى أساسي من التجهيزات، مما يؤثر على كرامة العمليات الجنائزية.

كما تم الإشارة إلى المسالخ البلدية، التي تعاني من أداء مالي ضعيف ومن مشاكل قد تؤدي إلى فقدان الإيرادات لدى الجماعات، بالإضافة إلى المخاطر الصحية.

اللامركزية الإدارية: إصلاح يتقدم ببطء

وأخيرًا، تبرز محكمة الحسابات انخفاض معدل تنفيذ خطة خارطة الطريق للميثاق الوطني للامركزية الإدارية: 36% حتى نهاية 2024. وتُرجع المحكمة هذا التباطؤ إلى بطء نقل الكفاءات والموارد، مما يحد من قدرة الخدمات اللامركزية على الاستجابة بشكل فعال لاحتياجات المحليين.

زر الذهاب إلى الأعلى