آخر الأخبار

المغرب بين تبني الذكاء الاصطناعي وتحدي الثقة: تجربة العميل تدخل مرحلة التحول الهجين

 

يشهد المغرب تسارعًا ملحوظًا في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، سواء من طرف الأفراد أو الشركات، غير أن هذا الانتشار الواسع لا يواكبه مستوى مماثل من الثقة. فقد كشفت دراسة حديثة أنجزتها شركة Concentrix بشراكة مع Ipsos عن مفارقة لافتة، حيث باتت هذه التكنولوجيا حاضرة بقوة في الحياة اليومية للمغاربة، لكنها لا تزال تواجه حذرًا واضحًا من قبل المستخدمين والمؤسسات على حد سواء.

وأظهرت نتائج الدراسة، التي تم الكشف عنها بمدينة مراكش، أن 87 في المائة من المغاربة سبق لهم التفاعل مع حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي أو الأتمتة، في حين تعتمد 84 في المائة من الشركات على الأقل على تقنية واحدة في هذا المجال. ورغم هذا الانتشار، عبّر 73 في المائة من المواطنين عن ضعف ثقتهم في هذه التقنيات، بينما أبدت 30 في المائة من الشركات عدم ثقتها بها بشكل صريح.

وتعكس هذه الأرقام مرحلة انتقالية يعيشها السوق المغربي، حيث يقر المستخدمون بفعالية الذكاء الاصطناعي وقدرته على تسريع الخدمات وتحسينها، لكنهم في المقابل يفضلون الإبقاء على العنصر البشري، خصوصًا في الحالات المعقدة أو الحساسة. فحسب الدراسة، أقل من نصف المغاربة يشعرون بالراحة عند التعامل مع هذه التقنيات، ولا تتجاوز نسبة من يثقون بها بشكل كامل 14 في المائة.

وفي هذا السياق، يبرز نموذج جديد لتجربة العميل يقوم على التوازن بين التكنولوجيا والعنصر البشري. إذ يميل المستخدمون إلى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الطلبات البسيطة مثل الاستفسارات وتتبع الخدمات، بينما يفضلون نموذجًا هجينًا في الحالات المتوسطة التعقيد، ويصرّون على التدخل البشري في القضايا ذات الطابع الحساس أو التي تنطوي على مخاطر.

كما أبانت الدراسة عن أولويات واضحة لدى المغاربة في ما يتعلق بتجربة العميل، حيث تتصدر حماية المعطيات الشخصية قائمة الانتظارات، تليها سرعة معالجة الطلبات، ثم إمكانية الوصول السهل إلى مستشار بشري، إضافة إلى ضمان سرية المعاملات ووضوح الإجابات. وهو ما يؤكد أن الثقة تظل العامل الحاسم في توسيع اعتماد الذكاء الاصطناعي داخل خدمات الزبناء.

ومن جهة أخرى، كشفت المعطيات أن الشركات المغربية منخرطة بقوة في هذا التحول، إذ تستخدم 96 في المائة منها تقنيات الذكاء الاصطناعي أو الأتمتة ضمن تجربة العميل. غير أن أكثر من نصف هذه الشركات ما تزال تحصر استخداماتها في المهام البسيطة، في حين تعتزم 90 في المائة منها تسريع وتيرة اعتماد هذه التقنيات خلال السنة المقبلة، ما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهميتها في تعزيز التنافسية.

وتشير هذه المؤشرات إلى بروز مرحلة جديدة في تجربة العميل، تقوم على تكامل الأدوار بين الإنسان والآلة، حيث تتولى الأنظمة الذكية معالجة العمليات الروتينية، بينما يركز العنصر البشري على التفاعلات ذات القيمة المضافة. ويُرتقب أن يساهم هذا النموذج في تقديم خدمات أكثر سرعة وتخصيصًا وفعالية، مع الحفاظ على البعد الإنساني الذي يظل عنصرًا أساسيًا في بناء الثقة.

وتؤكد هذه الدراسة أن مستقبل تجربة العميل في المغرب لن يكون رقميًا بالكامل ولا بشريًا صرفًا، بل سيكون مزيجًا ذكيًا بين الاثنين، قائمًا على الثقة، وقادرًا على الاستجابة لتطلعات المستخدمين في عصر التحول الرقمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى