ثقافة و ترفيه

أجي تفهم يعيد فتح صفحات التاريخ المشترك بين المغرب والجزائر

 

في وقت ما تزال فيه العلاقات بين المغرب والجزائر محاطة بكثير من التوتر والحساسية، يبرز مشروع “أجي تفهم” كمبادرة ثقافية ومعرفية تسعى إلى إعادة قراءة التاريخ المشترك بين البلدين بلغة مبسطة تستند إلى البحث العلمي الرصين. هذا المشروع الوثائقي المتحرك، الذي يشرف عليه المؤرخ محمد نبيل ملين ويخرجه مصطفى الفكاك المعروف باسم “سوينغا”، يفتح بابا جديدا أمام الجمهور لفهم محطات مفصلية في تاريخ المغرب الكبير بعيدا عن الأحكام الجاهزة والسرديات المتداولة.

تقوم فكرة السلسلة على تقديم محتوى تاريخي موثق يعتمد على مصادر أولية متنوعة تشمل مخطوطات وخرائط ومراسلات دبلوماسية وعملات ووثائق بصرية، تمت قراءتها وتحليلها بمنهجية نقدية دقيقة. ويجمع المشروع بين صرامة البحث الأكاديمي وجاذبية السرد البصري، من خلال رسوم متحركة حديثة وتقديم بالدارجة المغربية، إلى جانب نسخ مترجمة إلى الفرنسية والإسبانية والإنجليزية، ما يمنحه بعدا تواصليا يتجاوز الحدود المحلية.

ويتكون “أجي تفهم” من ثماني حلقات، خصصت نصفها الأول لتاريخ الصحراء الشرقية، فيما تتناول الحلقات الأربع الأخيرة الصحراء الغربية. وقد استطاع المشروع أن يحظى بدعم جماهيري لافت عبر التمويل التشاركي، حيث ساهم أكثر من 1200 شخص في تمويله، في مؤشر واضح على اهتمام فئة واسعة من المتابعين بتاريخ المنطقة ورغبتهم في الاطلاع على رواية تاريخية موثقة وقريبة من الجمهور.

الحلقة الثانية من السلسلة تعود إلى مرحلة حاسمة امتدت بين سنتي 1830 و1847، وهي الفترة التي شهدت تحولات عميقة في موازين القوى بالمغرب الكبير بعد احتلال فرنسا للجزائر. وتسلط الضوء على التحديات التي واجهها السلطان المغربي عبد الرحمن بن هشام في سياق إقليمي معقد، خاصة مع دعمه لمقاومة الأمير عبد القادر الجزائري، وما ترتب عن ذلك من مواجهة مباشرة مع القوة الاستعمارية الفرنسية، التي توسعت لاحقا نحو التراب المغربي وفرضت واقعا سياسيا وعسكريا جديدا.

كما تتوقف الحلقة عند محطات بارزة من تلك المرحلة، من بينها الحضور الدبلوماسي الفرنسي في المغرب مطلع ثلاثينيات القرن التاسع عشر، والذي وثقه الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا في أعمال أصبحت اليوم مرجعا بصريا مهما لفهم جوانب من الحياة السياسية والاجتماعية المغربية آنذاك.

ولا يقف المشروع عند حدود السلسلة الوثائقية، بل يمتد إلى إصدار بحثي جديد للمؤرخ محمد نبيل ملين يحمل عنوان “حدود المغرب الشرقية من أقدم العصور إلى 1830″، وهو عمل يسعى إلى تقديم قراءة تاريخية معمقة لجذور الإشكالات الحدودية بين المغرب والجزائر، في محاولة لفهم الخلفيات التاريخية لهذا الملف بعيدا عن التوظيف السياسي الآني.

بهذا الطرح، يقدم “أجي تفهم” نموذجا مختلفا في تناول التاريخ، يقوم على تقريب المعرفة من الجمهور، وتحويل الأرشيف والبحث الأكاديمي إلى مادة حية قابلة للنقاش والفهم، في لحظة تبدو فيها الحاجة إلى قراءة هادئة وموثقة للماضي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى